المشرف العام : محمد يوسف حفناوي

خبير أكاديمي و محاسب معتمد
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 هدى المهتدي_1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الحفناوي
Admin
avatar

المساهمات : 110
تاريخ التسجيل : 16/01/2015
العمر : 43

مُساهمةموضوع: هدى المهتدي_1   الأربعاء يوليو 15, 2015 10:33 pm

مفاتيح للهداية لتكوين الشخصية الملتزمة والمتزنة [/center]

الرّحمة
تعرف الرحمة على أنها الرقة والتعطف ، وقد نسبها الله تعالى في القرآن الكريم لنفسه بقوله:
"بسم الله الرحمن الرحيم " ، فالرحمن والرحيم اسمان مشتقان من الرحمة والرحمن أ شد مبالغة من الرحيم . والرحمن صفة لله لم تستعمل لغيره عز وجل . ومن صور رحمة الله على عباده رحمته تعالى على مريم العذراء تلك الفتاة المثقلة بالهموم في مدينة الناصرة مسقط رأسها ، حيث ناداها ربها من تحتها
" آلا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا " ، " وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا " ، وكانت المعجزة وليد بلا والد ، وليحميها الله من كلام المعيرين لها تكفل الرحمن بالرد عليهم فقال :
" فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا . وقد تكون الرحمة على الأطفال الصغار فعن عبد الله بن شراء عن أبيه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاة العشي " الظهر أو العصر " وهو حامل ( الحسن أو الحسين ) فتقدم النبي فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها قال : إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فرجعت في سجودي فلما قضى رسول الله الصلاة قال الناس : يا رسول الله إ نك سجدت بين ظهري الصلاة سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر ، أو أنه يوحى إليك ؟
قال: " كل ذلك لم يكن ، ولكن ابني فاطمة أشغلوني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته ".
فالرّحمة إذن تكون رأفة من صاحب القوة إلى الضعيف ، فالوالدين مثلا رحيمان على أولادهم فإذا ما كبروا إنتقلت القوة لهم ليردوا الجميل فيرعوا والديهم الضعيفان ودا إليهما .
يقول الله تعالى :" ووصّينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين " سورة الأحقاف (15).
وكما قد تكون الرّحمة من البشر على الحيوانات ، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" بينما رجل يمشي في الطريق فاشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل بها وشرب ثم طلع فإذا كلب يلهث من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني فملأ حفنة ماء ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله تعالى فغفر له و قالوا يا رسول الله إن لنا في البهائم لأجرا قال في كل ذات كبد رطبة أجر ". وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يتبع الصبيان فيشتري منهم العصافير فيرحلها ويقول إذهبي فعيشي . فإكتساب صفة الرحمة عند الإنسان تجعله قويا بقوة الله تعالى ، فالراحمون يرحمهم الرحمن ، فمن يرحم من في الأرض يرحمه من في السماء ، ومن لا يرحم لا يـُرحم . فهذا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يمزق كتاب عهد لوالي ينتظر الولاية عندما يأتي ولده فيجلس في حجر عمر فيلاطفه فيتعجّب الرجل قائلا : يا أمير المؤمنين لي عشرة أولاد مثله ما دنا أحد منهم مني فيقول عمر : فما ذنبي إن كان الله عزّ وجل نزع الرحمة من قلبك وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ثم قال : مزّق الكتاب ، فإنه إذا لم يرحم أولاده فكيف يرحم الرعيّة ؟!.
والرّحمة قد تزيد عند الشخص لتصل أعلى مستوياتها وعندها تسمّى بمفهوم الرّأفة ، فرحمة الأم على طفلها تكون رأفة إذا قورنت برحمة غيرها من النّاس ، بينما تكون رحمة الله تعالى على ذلك الطفل رأفة إذا ما قورنت برحمة ذات الأم على ذلك الطفل.
****************************************************
العبادة
العبادة لله تعالى وحده صفة إيجابية ولغيره صفة سلبية ، فأصل العبادة الخضوع والذي لا يكون إلا لمالك الملك وهو الله تعالى ، فالخضوع لغيره الله عبودية ظالمة لله الذي يتصف بالربوبية ، فعبادة غير الله خضوع للطواغيت حيث يقول تعالى :" وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكان وأضل عن سواء السبيل ". فالمؤمنون من المسلمين يقولون سمعنا وأطعنا لا مثل يهود الذين قالوا سمعنا وعصينا" . والعبادة أي الطاعة لله تعالى يعترف بها المؤمنون في صلاتهم في سورة الفاتحة بقولهم "إياك نعبد " فلا أحد يستحق ذاك الإعتراف إلا الله الواحد الذي لم يلد ولم يولد ، حيث يقول تعالى مخاطبا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم "قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ".
فالله إذن صاحب الحق في خضوع المخلوقات جميعها إليه وطاعتها له لأنه سبحانه من يملكها "فله من في السموات والأرض " سورة الأنبياء (19) . فالكل له عبّادا وملكا فهو خالقهم ورازقهم ومالكهم فكيف يكون له بعض مخلوقاته شريكا يعُبد كما يعبد . فالعقل يقول أنه لا إله إلا الله لأنه "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"، فالسماء والأرض لو كان فيهما آلهة معبودون (بحق) غير الله لفسدتا بسبب خلافهم وتنازعهم في الملك فحاشى لله أن يكون له شريك في الملك . ولقد وصف الله تعالى نبيه نوحا بأنه عبدا شكورا إذ أنه تحمل السنون الطوال في دعوة قومه عبادة الله وحده ، مبلغا ومجادلا حتى آمنت معه جماعة قليلة إستجابوا لدعوته نجّاها الله مع نوح في السفينة. كان النبي إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء مثالا يقتدى به في إسلامه لفاطر السماء والأرض وهو يبحث بعقلية فذة عن موجد الكون الذي يستحق العبادة لا آلهة قومه أو النجوم والكواكب المتلألئة في السماء التي سرعان ما تغيب فقال النبي العابد " إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين " سورة الأنعام (79) .
فالعبودية لله وحده صفة إيجابية تكسب صاحبها العابد قوة التوكل عليه فلا يخاف الموت بل يأتيه الموت وهو مشتاق إلى مولاه .
وأركان الإسلام هي أركان العبادة لله الحق وهي : شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلا ، أو كما قال رسول الإسلام محمّدا صلى الله عليه وسلّم.
**********************************************
التقوى
التقوى كما قيل هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والإستعداد ليوم الرحيل ، ولقد أشاد رب العالمين بكتابه العزيز في قوله " ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين "، الذين من صفاتهم :
ـ الإيمان بالغيب
ـ إقامة الصلاة
ـ الإنفاق من رزق الله بالصدقات والزكاة
- العمل الصالح .
- الصبر .
وعن ابن عباس في قوله ـ هدى للمتقين ـ أي الذين يحذرون عقوبة الله إذا تركوا هداه ويرجون رحمته إذا أطاعوه . وفي تعريف التقوى ورد عن أبي هريرة: أن رجلا قال له : ما التقوى ؟ قال هل وجدت طريقا ذا شوك ؟ قال : نعم، قال : فكيف صنعت ؟ قال : إذا رأيت الشوك عدلت عنه ، أو جاوزته ، أو قصرت عنه ، قال: ذاك التقوى . ويمكن أن يظهر تقوى الله على الإنسان من خلال سبع أعضاء فيه وهي : عيناه فلا تنظر للحرام ، وأذنيه فلا تسمع إلا مباحا، وفمه لا يتكلم إلا بجميل القول ، وقلبه لا يملؤه إلا بحب ما يستحق الحب ، ويداه لا تمتدان إلا في طاعة الله ، وبطنه لا يحويه إلا حلالا ، وقدماه لا يمشيان في معصية الله تعالى . وضرب لنا يوسف النبي مثالا واضحا في تقواه عندما أعرض عن تلميح زوجة عزيز مصر بإغراءاتها فغض بصره عن محاسنها وجمالها فلم يقع قلبه في الحرام أو يخون من إئتمنه في امرأته ، وعندما فشلت الإمرأة بالتلميح بالإيقاع بنبي الله طلبت منه صراحة ما تريد بالقول : هيت لك بمعنى تهيأت لك . ولكن يوسف التقي لم يكن ليقع بالزنا خشية من عقاب الله إن وقع وطمعا بثوابه إن عصم نفسه عن الفحشاء. وتجلت التقوى في أم محمد عندما كانت فتاة قالت لها أمها: يا أمتاه أو ما علمت بما كان من عزمة أمير المؤمنين ؟ قالت: وما كان من عزمته يا بنية ؟ قالت إنه أمر مناديه فنادى لإشاب اللبن بالماء . فقالت لها: يا بنية قومي إلى اللبن وامزجيه بالماء فإنه بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر ! فقالت : يا أمتاه ! إن كان عمر لا يعلم فإله عمر يعلم ، والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء . فلما علم عمر تقواها دعا ولده ، عبد الله وعبد الرحمن وعاصما وقال: هل فيكم من يحتاج إلى إمرأة فأزوجه ؟ قال عاصم: يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني ، بعد رفض عبد الله وعبد الرحمن بسبب أنهما متزوجان ، فتزوجها عاصم وأنجبا محمدا وبنتا هي أم عاصم التي أتت بعمر بن عبد العزيز خليفة المسلمون المعروف . التقوى عندما يّزين الإنسان تجعل إحساسه قويا في أنه يسير بالطريق الآمن عندما يكون مؤديا لرضوان الله ، أو أنه يترك الطريق الخطر عندما يكون ذلك الطريق مؤديا لسخط الله تعالى ، ويكفي للتقي وعد الله له بالفوز في قوله تعالى : " إن للمتقيّن مفازا " سورة النبأ ( 31) .
********************************************************
الإيمان
الإيمان لغة : التصديق ، وإصطلاحا : التصديق بكل ما أخبر به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
والعلامات الدالة على حقيقة الإيمان هي :
- إنجلاء القلب عند ذكر الله تعالى .
- وإزدياد الإيمان عند سماع القرآن الكريم .
- التوكّل عى الله تعالى .
- إقامة الصلاة .
- الإنفاق في سبيل الله تعالى .
وتلك العلامات واضحة في قول الله كما ورد في سورة الأنفال : " إنّما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا " .
عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره " . فالإيمان بالله مبني على الإعتقاد في إستحالة وجود الحياة بدون موجد وتنظيمها بدون منظم وتدبيرها بدون مدبر ، وعلى هذا الأساس يأتي التصديق بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مدعوما بالمعجزات، في أن الموجد والمنّظم والمدبّر هو الله تعالى من يملك خزائن العلم الذي لو كانت الشجر أقلاما والبحر صحفا لكلماته لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلماته ولو جيء بمثله مددا . وضرب الله مثلا في إيمان آسيا زوجة فرعون المعانِِد والتي كانت تحت أشد الناس كفرا ولكن بإيمانها بما جاء به موسى النبي المصّدق أصبحت في جنّات النعيم لإيمانها واستجابة من الله لدعائها
عندما قالت: " ربّ إبنِ لي عندك بيتا في الجنة " سورة التحريم (11) . ويأتي الركن الثاني من أركان الإيمان والذي هو الإيمان بالملائكة والذين هم عباد الرحمن الذين أخبر عنهم الله في قرآنه العزيز" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، قال إني أعلم ما لا تعلمون" سورة البقرة (30) . فالملائكة غيبا عن البشر والتصديق بوجودهم تصديق لله تعالى والملائكة الذين ورد ذكرهم في القرآن هم: ميكال وجبريل وإسرافيل وملك الموت. والملائكة عموما هم مخلوقات غيبية عن الناس ، ذوات أجسام نورانية لطيفة قادرون على التشكل بالأشكال الجسمانية المألوفة لنا ، ولا يتناكحون ولا يتناسلون ولا يأكلون ولا يشربون طائعون لله لا يعصونه ويفعلون ما يؤمرون ، وهم داعمون بقوتهم رسالة البشر. والجن ـكالملائكةـ في أنهم من الغيبيات والإيمان بهم محصورا بما جاء به الله تعالى في قرآنه ومحمد صلى الله عليه وسلم في هديه ، والجن غير الملائكة في كون الملائكة جميعهم طائعون لله بينما الجن منهم الطائعون ومنهم دون ذلك، فلقد قال الله تعالى على لسانهم " وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا " سورة الجن (14) . والجن إن كانت لهم قوة فليس لهم سلطان على الإنس إلا من إستعان بهم فإنهم يزيدوه بلاء إلى بلائه لقوله تعالى:" وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا" سورة الجن (6) . فالأولى إذن الإستعاذة من شرهم واللجوء لله وحده لكشف البلاء . ويأتي الإيمان بكتب الله السماوية ركنا مهما من أركان الإيمان لأن الإيمان بها ضرورة حتمية للإيمان بمنزلها وبمن نزلت عليه ، وقبل أن نؤمن بالقرآن الكريم كتابا سماويا من الله إلينا عن طريق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، طالب ربنا الله نبيه محمد بالإيمان بجميع الكتب السماوية التي نزلت على إخوانه الأنبياء والرسل ممن سبقوه ، وذلك بقوله تعالى:" وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب " سورة الشورى (42) . وهذه الكتب السماوية حسب تسلسلها تاريخيا: صحف إبراهيم عليه السلام، التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام ، الزبور الذي نزل على داوود عليه السلام ، الإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام ، وأخيرا الفرقان الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ناسخا لما سبقه من كتب سماوية ومحفوظا إلى قيام الساعة وما بعدها للأبد . والإيمان بالقرآن الكريم من عند الله يقتضي العمل به على المستوى الشخصي والأسري والأهلي والمؤسسي لأنه من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . التصديق بأن هناك يوما آخر هو ركن ضروري من أركان الإيمان لأنه لا يعقل بعد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله أن لا نؤمن بوجود يوم حساب أخبرنا عنه الله تعالى في قرآنه الكريم ، فيه يتم عدل الله المطلق بمعادلة ربانية متوازنة في أن من عمل مثقال ذرة خيرا يرى ومن عمل مثقال ذرة شرا يرى ، والإيمان بذلك اليوم يزيد فينا قوة الصبر إذا ظلمنا وقوة العدل إذا ظلمنا ، ولقد اعتبر الله تعالى عدم التصديق بوجود ذلك اليوم مغزى لعبثية الكون المستحيلة لضرورة وجود ذلك اليوم بالحشر والنشر لمكافئة الأعمال الحسنة ثوابا والأعمال السيئة عقابا، وذلك بقوله تعالى في سورة المؤمنون:" أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" (115) .
" فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم"(116). ويأتي الإيمان بالقدر خيره وشره ركنا سادسا من أركان الإيمان الستة والتي يقتضي الإيمان بها كلها إجمالا وتفصيلا لإعتبار الشخص مؤمنا، والإيمان بالقدر هو التصديق بأن كل شيء معنوي ومادي موجود من الله زمانا ومكانا بمقدار محدد ، فمثلا وجود الإنسان عبارة عن شيء مادي من الله بتاريخ زمني محدد وبمكان معين، وانتهاء أجله بوفاته شيئا معنويا مقدرا . والتصديق بذلك يجعل الإنسان مقتنعا بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وبالتالي يمكن أن يعتبر ماضيه ذكريات وحاضره واقعا ومستقبله غيبا .
يقول إبن القيم الجوزية طوبى لمن أنصف ربه ، فأقر له بالجهل في علمه ، والتفريط في حقه ، والظلم في معاملته فإن آخذه بذنوبه رأى عدله ، وإن لم يؤاخذه بها رأى فضله ، وإن عمل حسنة رآها من منته وصدقته عليه ، فإن قبلها فمنة وصدقة ثانية ، وإن عمل سيئة ، رآها من تخليه عنه فيرى في ذلك فقره إلى ربه ، وظلمه في نفسه ، فإن غفرها له فبمحض إحسانه وكرمه، ونكتة المسألة وسرها: أنه لا يرى ربه إلا محسنا ، ولا يرى نفسه إلا مسيئا ، فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه ، وإحسانه عليه ، وكل ما يسوؤه من ذنوبه وعدل الله فيه . مغفرة لتوبة في كبيرة منهية أو تبديلا للمّة صغيرة حسنة مجزية وافية بدل سيئة حقة منسية . وأقول أنّ الإنسان مخيّر في إنشاء وتقوية علاقة مع الله تعالى بالإيمان أنه الخالق لخلقه ، والمرسل كتبه لرسله ، والعادل في يومه ، الحق في قدره . وفي هذا سعادة آنية للإنسان في دنياه وسرمدية في آخراه .
********************************************************
الصّلاح
الصلاح ضدّه الفساد ، وذلك واضح في قوله تعالى: "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون" سورة البقرة(11)، فالكفار أولئك الذين فسدوا في الأرض وحاولوا إفساد الناس بتفريقهم عن الإيمان بالله ورسوله ، عندما وعظوا بعدم الإفساد جعلوا صفة الصلاح فيهم هربا من الحقيقة ، فردهم الله تعالى إلى حقيقة أنهم موصفون بالفساد على أعمالهم لا كما يدعون . والصلاح حقيقة هو تأدية لله ما افترض وإلى النّاس حقوقهم . ويكون الصلاح عند من كره نار الفتنة بين طرفي نزاع ، اتباعا لأمر الله تعالى :" وإن طائفتين من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما " سورة الحجرات (9) فعلى المسلم أن يسعى للصلح بين متنازعين أو فريقي نزاع قبل أو بعد أن يتقاتلا بالتسوية بينهم وتطبيع علاقاتهم وفق عدل يعطي كل ذي حق حقه . ونذكر قصة ذو القرنين في إصلاحه ما أفسده قوم كافرون فاسدون عندما وصل نهاية الأرض قرب البحر المحيط فطلب منه أن يختار بين أمريين إما أن يعذبهم بالقتل أو إما أن يحسن إليهم بدعوتهم للحق وتعليمهم الشرع ، فاختار ذو القرنين دعوتهم لأن يصلحوا حالهم ، فمن أبى وأصر على الفساد فإنه سيعذبه في الدنيا بالقتل ويرد لربه ليعذبه العذاب الأكبر ، وأما الذين قبلوا الدعوة بالهداية والصلاح فلهم الكرامة في الدنيا والجنة في الآخرة وواضحا ذاك الخيارين بقوله تعالى على لسان ذي القرنين :
"أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ". من هنا يتبين أن هدف الإصلاح يتحقق بتحليل المشكلة وهو الفساد بحصر عناصره وعلاقات تلك العناصر مع بعضها البعض ليسهل بعد ذلك الإصلاح من خلال تدعيم العناصر الطيبة وتجديد علاقاتها مع بعضها البعض وتقويتها وتحجيم العناصر الخبيثة وإضعاف علاقاتها مع بعضها البعض وإهمالها أو إلغائها إن تّطلب الأمر ذلك . يقول الله تعالى على لسان شعيب عليه السلام :" ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين" سورة الأعراف (85) . ولقد خاطب قومه أن لا يصدون عن سبيل الله باتهامه بالكذب في دعوته وإشاعة ذلك لمن أراد أن تصل روحه له طالبة معرفة أو قلبه طالبا حقا ، أو من خلال التهديد بإخراج من يؤمن بدعوته من القرية حتى يعودوا لما يعتقد ذلكم المفسدون من كفروا ولقد طالب شعيبا الصالحون من قومه المغلوب على أمرهم أن يصبروا حتى يحكم الله بينهم فينصر المحقين من أرادوا الصلاح على المبطلين من أرادوا الفساد بتدبيره وقضائه جلّ جلاله. فالفساد إذن بأشكاله المختلفة السياسي والإجتماعي والديني والإداري والمالي والإعلامي على المستوى الشخصي والأهلي أو الأسري و المؤسسي لا بد من التخلص منه من أجل صلاح الفرد والمجتمع بأسره وبعد التخلص من الفساد لا بد من الحفاظ على استمرارية الصلاح للحد النهائي الفاصل بين الحق والباطل ليأخذ صاحب الحق حقّه مرضيّا ليرضى ويرضى ويتخذ الكتاب بالحق من عمل ذرة حسنة والموت للمبطلين .
****************************************************
العلم
يعرف العلم على أنه معرفة الشيء ، وأفضل المعرفة على الإطلاق معرفة الله تعالى من خلال التفكر في القرآن الكريم كتاب الله المقروء وكذلك من خلال التأمل بالكون الرحب كتاب الله المفتوح . ويستطيع الإنسان أن يكون ذي علم إذا سمح لنفسه أن تستقبل معرفة جديدة من الخارج بوسائل الإحساس المختلفة وأثبتها في نفسه لينفي عنها صفة الجهل بها . ولقد حثنا نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم على العلم فقال: كن عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ,ولا تكن الخامسة أي مبغضا فتهلك. وآفة العلم الكبر والعياذ بالله ، لذلك يجب على من زاد علمه أن يزداد تواضعه وأن فوق كل ذي علم عليم ، ومن هنا كانت ملازمة العلماء طلبا للعلم مقصدا عظيما ، ويضرب لنا النبي موسى عليه السلام مثالا للسعي في ملازمة العلماء ، إذ إنه سعى لملازمة الخضر الذي علمه الله من علم الغيب بل تواضع لمن هو أعلم منه رغم أنه من الأنبياء أولي العزم، فموسى يعلم الكثير عن الأحكام الشرعية ولكنه يجهل بما عند الخضر من علم بالغيب فاستأذن أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم قائلا :" هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا " سورة الكهف (66) . ولقد كان العلم سببا لأن يمكن الله نبيه يوسف عليه السلام في الأرض ليصبح من بعدها وزير إقتصاد آنذاك بمفهومها المعاصر بعد أن كان سجينا مدة سبع سنوات ، فلقد علمه الله التأويل للأحداث والأحلام بإلهام الله تعالى له لا بالتنجيم والشعوذة مما دفع ملك مصر لأن يؤمّن يوسف على خزائن الأرض ، فيوسف أثار إعجاب الملك بعلمه منذ تأويله حلم الملك وإسداء الرأي له بناء على إستفتائه يوسف ليكون أول من استخدم التخطيط المالي كوظيفة من وظائف الإدارة المالية . يقول الصحابي الجليل علي كرم الله وجهه :" ما زال المتعلم عالما فإن قال علمت فقد جهل"، فما زال الإنسان منعوتا بالعلم طالما يكتسب علوما جديدة فإن أصابه الكبر باعتبار نفسه وصلت قمة العلم أصبح بذلك جاهلا لأن العلم لا حدود له . ويمكن القول أن التكنولوجيا الحديثة ما هي إلا تراكمات معرفية على مرّ العصور التي شهدت ثورات صناعية ومعلوماتية في القرن العشرين لتكون شاهدا على أهمية العلم كقوى دافعة نحو البناء والتطوير
وأقول:" رب زدني علما ".
*****************************************************

الهداية
تعرف الهداية لغة على أنها الرّشاد والدلالة، ويمكن تعريفها بأنها النجاح في تحقيق المراد السليم . ويدعوا المسلمين في صلاتهم الله تعالى أن يهديهم الصّراط المستقيم في تلاوتهم " إهدنا الصراط المستقيم" سورة الفاتحة (6) ، أي اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصّديقين والشهداء والصالحين. ونقيض الهداية الضلالة ، والضلالة هي الفشل في تحقيق المراد السليم، ونضرب خير
مثال في ذلك قوله تعالى :" وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون"
سورة الذاريات( 65) . فمراد الله من الخلق هو العبادة ، فمن نجح في تحقيق هذا المراد بعبادة الله تعالى فاز بإعتباره من المهديين الذين يدخلون جّنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء الصالحين وحسن أولئك رفيقا، ومن كفر ضلّ عن سواء السبيل فلم يحقق المقصد من عبادته بل اتبع السّبل المظلمة فتاه عن نور الهداية الرّبانية الموصلة لرضوان الله جلّ جلاله . فالفرق بين الهداية والضلالة واضح في القرآن الكريم بإعتبار الكّفار ضالون في قوله تعالى واصفا إياهم :"أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون" سورة البقرة(16-17). إنّ من يجمع في قلبه صفة الإيمان وصفة التقوى يكون على نور من ربه بطريق مستقيم توصله لمراده في رضوان الله الذي يوفقه لأن يكون ناجحا في إدراك ما يطلبه من ربه الذي وعده جزيل الثواب مقابل ما قدم من أعمال صالحة وإيمان بالله تعالى ويتجلى قول الله تعالى في وصف المهديين :" أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون"سورة البقرة (5).
وتجدر الإشارة إلى أن الله تعالى يهدى إليه من أراد الهداية ، ونضرب مثلا في ذلك عندما كان قلب الرسول صلى الله عليه وسلم يعتصر ألما خوفا عمّه أن لا يموت على الهداية فنزل قوله تعالى:" إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين" سورة القصص (56). المهتدي يعرف طريق الهداية والضال من يزل عنها ، فقارون من قوم موسى، أعطاه الله كنوزا ناءت العصبة أولى القوة من حمل مفاتيح خزائنها، فلم يبحث عن الطريق الموصلة لمرضاة الله في إنفاق تلك الكنوز فعاش محاولا أن يصل إلى الغاية في النعيم، إن كانت للنعيم في الدنيا غاية، فطفر وتكبر حتى لم يعترف بفضل الله عليه
فنسب ما عنده لنفسه:" قال إنما أوتيته على علم عندي" سورة القصص(78). بالرغم من نصح الناصحين له يدلونه على طريق الرّشاد في قولهم:" وابتغ فيما أتاك الله لدّار الآحرة ولا تنسّ نصيبك من الدنيا وأحسن الله إليك " سورة القصص (77) . فلم يكتف بترك النصيحة بل دفعه كبره ليخرج على الناس في زينته مغيظا للواعظين ، فتمنى الجاهلون من البسطاء مكانه فأخبرهم الواعظون بأن ثواب الله الدّائم لمن آمن وعمل صالحا خيرا مما جمع قارون من نعيم زائل ، وبالفعل زالت نعم قارون، بل وهلك قارون نفسه، بخسف من الله تعالى له ولداره، فندم عندئذ المتمنون على أمانيهم لأنهم عرفوا بالمشاهدة الفرق بين الهداية التي تكسب السعادة والفلاح وبين الضلالة والحق يقال في أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من قرآن يتلى إلى قيام الساعة يمثّل هدى لرضوان الله تعالى والسعادة الأبدية يوم القيامة في جنات النعيم، وأن غير الإسلام ضلال واضح ، فلقد أخبر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قائلا :" إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد، قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين " سورة القصص (85)، فطوبى لمن عرف الحق ولزمه.
******************************************************
الصدق
وهو نقيض الكذب إذا اعتبرناه مطابقة الخبر للواقع، وهو أيضا مطابقة الظاهر للباطن والعلانية للسّر والقول بالعمل إنّ الذي يقطع على نفسه عهدا أو يعقد عقدا يكون صادقا إذا عمل بعهده ونفذ عقده وإلا يكون كاذبا لأنه أخلف عهده ونقض عقده ، وكما قال الله تعالى في سورة التوبة :" ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون(77) . إن الصدق خلق حسن يجعل صاحبه موثوقا به بين الناس ، فمحمد الصادق الأمين في الجاهلية لم يكن إلا صادقا في نظر أبو بكر عندما قال له عمرو بن هشام مكذّبا محمدا :
ـ أوحدثوك عن صاحبك
ـ فقال أبو بكر:أسمعت أنت ما تقول يا عمرو بن هشام؟
ـ نعم ، سمعته، وسمعه الناس جميعا ....
ـ وماذا قال؟...
ـ يقول إن السماء إلها، أرسله إلينا لنعبده ونذر ما كان يعبد أباؤنا!!
ـ أو قال إن الله أوحى إليه؟
ـ أجل......
ـ إن كان قال، فقد صدق.....!!
فاستحق أبو بكر أن يلقب بالصديق لتصديقه محمدا ، واستحق عمرو بن هشام أن يلقب بأبي جهل لتكذيبه محمدا صلى الله عليه وسلم . فلقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا،
(متفق عليه) فمن صدق اهتدى لكل خير واستحق أن يوصف بالصدق وينال ثواب الصادقين، فهذه دعوة من الله لنا معشر المؤمنين أن نكون مع الصادقين :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" سورة التوبة (119). فيا سعد من لبى ربه بالصدق ، وإن لم يكن في دنيانا صادقا فسلام عليها كما قال الإمام الشّافعي رحمه الله: سلام على الدنيا إذا لم يكن بهاصديق صدوق صادق الوعد منصفا .
******************************************************
العقل (اللب)
أولا: التذكّر:
التذكر: عملية عقلية يقوم بها الإنسان لاسترجاع معلومات مخزنة في دماغه ، ولقد أمر الله تعالى بني إسرائيل للقيام بهذه العملية عندما قال
في سورة البقرة :" يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين" 47" ، وهذه النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل ويأمرهم بتذكرها هي: طيبات الرزق ، النجاة من فرعون بالإضافة لتفضيلهم على العالمين في زمانهم بإرسال الرسل وإنزال الكتاب وغير ذلك، ويأوهم الله بتذكّر النعم من أجل أن يقابلوا ذلك بالشكر له بإتباع رسلهم بالإيمان والتصديق بالذي جاء به أولئك الرسل. وسعادة الإنسان تكون في تذكره لذكرياته الجميلة وحمد الله عليها مع تذكره لقاء ربه لذلك تراه يعمل العمل الحسن من أجل سعادته عند لقاء ربه ، فتذكر الموت يجعل الإنسان لا يأبه بمخاطر الحياة وكما قيل:
" اطلبوا الموت توهب لكم الحياة "، فما هو أعظم خطر في الحياة؟ إنه الموت الذي بتذكره والإستعداد له يكسب الإنسان العادة، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خّط النبي صلى الله عليه وسلم خّطا مربعّا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط ، فقال: " هذا الإنسان ، وهذا أجله محيطا به ـ أو قد أحاط به ـ وهذا الذي هو خارج أمله ، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا ، نهشه هذا ، وإن أخطأه هذا نهشه هذا" رواه البخاري ، وصورة ذلك في الشكل التالي .










ويبين الله تعالى آياته للناس لكي يحفظوها في ذاكراتهم لتكون عونا لهم في أعراض حياتهم الخطرة، ليسترجعوا ذكرياتهم بما رأو من آيات الله فيستفيدوا منها في أخذ قرارات صائبة تخص دينهم ودنياهم . وتذكر الدار الآخرة وما بها من أهوال وأحوال ونعيم وعذاب من شأن الأنبياء في العصور التي عاشوا بها، وهذا التذكر خاص بهم عن أهل زمانهم ممن ألهتهم الدنيا والتكاثر فيها، فطوبى لمن ورث عن الأنبياء ذكرى الدّار فخص نفسه بهذه الذكرى الكريمة في أوساط مادية بحتة .
ثانيا: النسيان:
هو عدم التذكر لمعلومات محفوظة في دماغ الإنسان بسبب وساوس الشيطان التي هي دعاء لطاعته بصوت ذبذباته أقل من أن يسمعها الإنسان بأذنيه بل تصل إلى قلبه وتؤثر على ذاكرة ابن آدم الذي سمي إنسانا لنسيانه بهذه الطريقة، ودليل ذلك قوله تعالى في سورة الكهف (63) : " قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلاّ الشيطان ، أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا". والنسيان يكون إيجابيا في حالة حجبه معلومات غير ضرورية لصالح معلومات أكثر أهمية وأولوية ، ففي الآية الكريمة التي ذكرت آنفا والتي يشكو فيها يوشع بن نون إلى النبي موسى عليه السلام وساوس الشيطان التي أنسته ذكر الحوت فقال معقبا موسى عليه السلام :" قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا "
الكهف ( 64), أي أن الحوت ليس ما كنا نطلبه بل كنا نطلب عبدا صالحا هو الخضر وتجدر الإشارة إلى أن الخطأ ليس سببه النسيان، لأن الخطأ هو عدم اختيار الصواب بالرغم من معرفته ، فآدم الذي عصى ربه كان متذكرا طلب الله منه أن لا يأكل من الشجرة ولكن أزله إبليس أي أوقعه في الخطأ، وكما ورد في سورة البقرة(36):" فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه، وبالتالي كان عدلا من الله تعالى أن يعاقب المخطئين ولا يعاقب الناسين، ولمن أخطأ وتاب المغفرة، فلقد قال آدم وزوجته حواء لربهما:" ربنا ظلمنا أنفسنا ولمن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" فتاب عليهما الله تعالى والمؤمن يقاوم وساوس إبليس بالإستعاذه منه بالله تعالى قائلا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شره قاصدا : الوسواس. والمنافق لا يتذكر الله تعالى بمقاومة وساوس الشيطان فينسى الله الذي لا يعين المنافق على وساوس ذلك الشيطان لأنه لم يستفيد بالله منه ومن وساوسه ، فيتركه الله تعالى لنفسه تأمره بالسوء وللشيطان يدعوه لمطالبه التي تقودهما للعذاب ، وصدق الله إذ يقول:" والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون وعد الله المنافقين والمنافقات نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم لعنهم الله ولهم عذاب مقيم".
**********************************************************
المعرفة
المعرفة: تراكم العلوم ، فالمعرفة إحاطة شاملة بالعلوم تتميز عن علم العالم ،
ونضرب مثلا في ذلك العلم بالله والمعرفة به ، فمن العلماء من يعلم عن الله الجود ، ومنهم من يعلم عن الله العفو ومنهم من يعلم عن الله الإنتقام ، ومنهم من يعلم عن الله الحكمة ومنهم من يعلم عن الله العزة ، ومنهم من يعلم عن الله الرحمة ، أما العارفين فيعرفون عن الله معرفة شاملة ، يعرفون عن الله صفات كمال وأسماء حسنى، يصلون لمعرفتهم بالله بالتفكر بالكون وتدبر آيات القرآن الكريم . الإنجيل والتوراة يعرف علماء اليهود والنصارى عند نزولهما بقدوم بني خاتم هو محمد عليه الصلاة والسلام ، فلقد قال الله تعالى :" الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"، ولكن رغم معرفتهم كفروا به فاستحقوا الخسران العظيم فقال الله عنهم :" الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون" سورة الأنعام. أما الذين عرفوا محمد صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وبرسالته استحقوا في اليوم الآخر أن يعرفوا منازلهم في الجنان من غير استدلال أو سؤال وكما قال الله تعالى في سورة محمد (6):" ويدخلهم الجنة عرفها لهم ". وضرب لنا معاذ بن جبل المثل في المعرفة الحقيقية ، فلقد لقيه الرسول صلى الله عليه وسلم ذات صباح فسأله:
" كيف أصبحت يا معاذ"؟ قال:" أصبحت مؤمنا حقا يا رسول الله". قال النبي:" أن لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ قال معاذ:" ما أصبحت صباحا قط، إلا ظننت أني لا أمسي .... ولا أمسيت مساء إلا ظننت أني لا أصبح .... ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتبعها غيرها..... وكأني أرى أهل الجنة في الجنة ينعمون...... وأهل النار في النار يعذبون......" فقال له الرسول:" عرفت فالزم".
***************************************************

الحذر والرجاء
بسم الله الرحمن الرحيم :" واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم" سورة البقرة(235). إذ السياسة الحكيمة في التعامل مع الله تكون بالتوازن العقلي بين الحذر من الله تعالى وبين الرجاء به ، فالعاقل ليس من تطرف في واحدة دون الأخرى ، فالذي يحذر الله أكثر من أن يرجوه قد يصل لليأس من روح الله وإن من يرجو الله تعالى أكثر من أن يحذره قد يصل للأمن من مكر الله ، وكلا اليأس من روح الله وآمن مكره حالتين متطرفتين للإنسان . إن كل إنسان في الدنيا أمامه خيارات حسنه وأخرى سيئة، واللبيب من عمل بالخيار الحسن راجيا فضل الله وترك العمل بالخيار السيء حذرا من الله تعالى فلقد قال رب العزة:" يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد"
سورة آل عمران(30)، فقدرة الله تعالى على معاقبة الخارجين عن شرعه تصلهم ولطف الله تعالى بمكافئة العاملين بشرعه تحيط بهم ، فالحذر،الحذر من مخالفة الله ورسوله منعا للفتنة، والمقصود هنا بالفتنة: الكوارث الطبيعية والطّبع على القلوب، فلقد حذر الله تعالى الخارجون عن شرعه في سورة النور (63)قائلا :" فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" . روي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه يقول:" لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين من خافني في الدنيا أمنته في الآخرة ومن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة ".
يحكى أن رجلا تعلق قلبه بامرأة فخرجت تلك المرأة إلى حاجة لها فذهب الرجل معها فلما خلا بها في البادية ونام الناس أفشى سره إليها فقالت له المرأة انظر أنام الناس بأجمعهم ففرح الرجل بقولها وظن أنها قد أجابته فقام وطاف حول القافلة فإذا الناس نيام فرجع إليها وقال لها نعم هم نيام فقالت ما تقول في الله تعالى أنائم في هذه الساعة. فقال الرجل إن الله تعالى لا ينام ولا تأخذه سنة ولا نوم فقالت المرأة إن الذي لم ينم ولا ينام يرانا وإن كان الناس لا يرونا فذلك أولى أن يخاف فتركها الرجل خوفا من الخالق وتاب ورجع إلى وطنه فلما توفي رأوه في المنام فقيل له ما فعل الله بل فقال غفر لي بخوفي وتركي ذلك الذنب . قال الله تعالى :" قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم" ( الزمر: 53). فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني
******************************************************

التفكّر
التفكر: هي عملية عقلية يتم بموجبها التأمل للحصول على جواب لسؤال ذهني ، هذا السؤال قد يكون له علاقة بالدين، كالسؤال عن مراد الله من الخلق ، اوالسؤال عن الأعمال التي ترضي الله ، أو السؤال عن العلوم وطرائقه . ولقد أجاب الله تعالى معشر المفكرين بخلق الله باحثين عن جواب لقصد الخلق في سورة آل عمران :" ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار...... فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ". ولم يترك الله تعالى توجيه الضالين بفكرهم في لذات الدنيا ومتاعها الزائل إلى التفكير في أنفسهم كيف وجدت؟ ومتى؟ ولم؟ وأين المصير؟ وللتسهيل عليهم ! أعطاهم رب العزة الجواب : في أن السماوات والأرض التي هي محل مصالحهم الدنيوية وجدت بالعدل الرباني المطلق، تؤول فيه تلك السماوات والأرض إلى الله في يوم القيامة ليحكم بين العباد وواضح ذلك الخطاب في قوله تعالى بسورة الروم(Cool:" أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون". قال الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية :" مبدأ كل علم نظري ، وعمل اختياري ، هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات ، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل ، وكثرة تكراره تعطي العادة . فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك ما بعده ، وإن قبلته صار فكرا جوالا ، واستخدم الإرادة ، فتساعدك هي والفكر على استخدام الجوارح ، فإن تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالتمني والشهوة وتوجهه إلى جهة المراد" . فالتفكير الممدوح هو الذي يكون في خلق الله لا التفكير في ذات الله ، لأن التفكير في خلق الله تولد الإرادة للعمل في مصلحة العباد ، وكما قال رسول صلى الله عليه وسلم :" تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروه قدره". وعن طاووس قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم يا روح الله هل على الأرض اليوم مثلك ، فقال : نعم من كان منطقه ذكرا وصمته فكرا ، ونظره عبرة فإنه مثلي. أو كما قال الشاعر: إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة . وصدق الله العظيم إذ يقول :" إنما أعظمكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا"(سبأ: 46). إن القرآن الكريم ملئ بالآيات والعبر المقروءة التي تمنح الفرصة لتوجيه الفكر من أجل الوقوف على ما تحويه تلك الآيات الكريمة من أسس ظاهرة وقاطعة لتقييم الأعمال المقترحة لاختيار أنفعها للذات والمجتمع ، مع التدبر الكافي للنظر في العمل المقترح إلى ما تؤول إليه عاقبته ، بالقياس على ما ورد في القرآن الكريم كدستور أمة، وصدق الله العظيم إذ يقول :" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" سورة محمد (24).
******************************************************

الرسوخ والحفظ
يقول الله تعالى :" والراسخون في العلم يقولون أمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب " (آل عمران:7)، الرسوخ في العلم يعني ثبوته وإحكامه، فالعقيدة الإسلامية تكون راسخة في شخص العالم بها إذا أحكمت أركانها إحكاما شديدا بحيث لا تعصف بهذا الشخص رياح الوهم أو التردد ، الوحدانية مثلا ركن مهم من أركان العقيدة الإسلامية ، إذا ثبتت في قلب المسلم يقينيا لا لبس فيه تجعل من ذلك المسلم شخصا راسخا في علمه الإيماني بالله أنه واحد في صفاته وأسمائه وفعاله . إن علم دين الله الإسلام قد رسخ رسوخا كبيرا في قلوب المسلمين وعلمائهم  بفضل حفظ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات القران الكريم وأحاديثه النبوية الصحيحة التي نقلوها نقلا متواترا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يثبت عدم صحتها ، الآيات والأحاديث التي رسخت وحفظت تمثل علم الإسلام الذي هو دستور الأمة الإسلامية حتى قيام الساعة ، والمسلمون الذين اتبعوا دين محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير أمة أخرجت للناس بحفظهم العلم الشرعي الراسخ ونقله بإخلاص والحكم فيه ، على العكس من اليهود الذين لم يحفظوا توراتهم الذي استحفظهم الله عليه بل غيروا وبدلوا اتباعا لأهوائهم ، وكما قال الله تعالى :" إنّا أنزلنا التوارة فيها هدى ونور ، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " (المائدة : 44). ومن المسلمين من لم يرسخ علم الإسلام في   قلبه فكان كما وصفه رسولنا الكريم في حديث أبي موسى رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم :" مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فيها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ ، والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان ، لا تمسك ماء أولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" متفق عليه. يقول ابن قيم الجوزية : أقام الله سبحانه هذا الخلق بين الأمر والنهي ، والعطاء والمنع، فافترقوا فرقتين: فرقة قابلت أمره بالترك ، ونهيه بالارتكاب وعطاءه بالغفلة من الشكر ومنعه بالخط وهؤلاء أعداؤه وفيهم من العداوة بحسب ما فيهم من ذلك. وقسم قالوا : إنما نحن عبيدك ، فإن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة ، وإن نهيتنا أمسكنا نفوسنا وكففناها عما نهيتنا عنه وإن أعطيتنا حمدناك وشكرناك وإن منعتنا تضرعنا إليك وذكرناك، الفريق الأول جيش في الدنيا والآخر جيش الآخرة ، فإذا تصادمت جيوش الدنيا والآخرة في قلبك فانظر مع من يمثل منهما ومع من تقاتل فأنت مع أحدهما لا محالة. ويقول ابن القيم في موضع آخر : فرق بين رسوخ العلم والكلام ، فالكتب كثيرة جدا، والكلام والجدال والمقدرات الذهنية كثيرة ، والعلم بمعزل من أكثرها وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  عن الله سبحانه ، قال تعالى :" فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم " (المؤمنون:53). فمن القلوب ما رسخ في قلبها علم الله الذي جاء على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ومن القلوب ما انسلخت من العلم والإيمان كإنسلاخ الحية من قشرها .
****************************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mymco.ideaboard.net
 
هدى المهتدي_1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المشرف العام : محمد يوسف حفناوي :: أقسام السجل :: ابحاث علمية-
انتقل الى: